إن خير ما أبدأ به الحديث في هذا الموضوع هو قول الله سبحانه وتعالى : " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادون من حـاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ......... " المجادلة 22 فالوضع الطبيعي أن نحب من أحب الله ونبغض من عصى الله لعل هذا يكون سببا في إصلاح شأنه ورجوعه إلى الله بعدما يشعر أنه منبوذ وغير مهتم به من قبل الآخرين ، ولكن ما يحدث الآن هو عكس ذلك تماما ، فقد نرى الرجل المجاهر بالمعصية وربما تاجر المخدرات والسارق والمغتصب لحقوق الغير وأملاك الدولة يسير بين الناس مرتديا عباءة العظمة مرفوع الرأس نتيجة أن الكل يعظمه ويحترمه لمجرد أنه يمتلك أموالا كثيرة رغم أن الكل يعلم تماما العلم أنها من حرام ، فقد نرى كل يوم بل كل ساعة قارون جديد بيننا ولسان حالنا : ياليت لنا مثل ما أوتي فلان ............ فكل زمان له قارونه وفرعونه الذي يستخف بعقولنا وذلك بواسطة جمع الأموال وهذه كانت ولا تزال سياسة اليهود على مر الأزمنة وهي أن المال هو الذي يجعلهم يسودون العالم وللأسف أن كثير من المسلمين أصبح ينتهج هذا النهج ويجد من يساعده عليه باحترامه له والتقرب إليه والنفاق له ، وهناك كلمة شهير نسمعها في اليوم الواحد مائة مرة وهي : انت عارف بتلكم مين ؟!!! وقد ارتبطت هذه الكلمة بأصحاب الأموال وكأن المال هو الذي جعلهم في مرتبة بين سائر البشر وبين الأنبياء فأصبح ولاؤنا وانتماءنا لمن يمتلك المال والسلطة بغض النظر عن أخلاقه وسلوكه بين الناس وهذا من أخطر الأمور التي نمر بها الآن على النشء الصغير ، وهذا ما يجعلني أصاب بالإحباط والخوف على الأجيال الصاعدة الذين هم أبنائي وأبنائكم الذين كلما فكرت قليلا في مستقبلهم رأيت سوادا أشد من سواد اليوم ، فقد أصبح الشعب منقسما إلى قسمين ، فإبن القاض يكون قاضيا وابن الوزير يكون مثل أبيه وابن الدكتور يكون دكتور وابن السفير سفير وإذا ناطح هؤلاء أحدا من أبناء الفقراء أزاحوه وقالوا (غير لائق اجتماعيا) أو قتلوه مثلما حدث من قبل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . من خلال مقالي هذا لا أخاطب مثل هؤلاء ، بل أخاطب الضعفاء والفقراء وأقول لهم : اعلموا أن أرواحكم وأرزاقكم بيد الله وحده فالأمور لا تستدعي النفاق لأحد من المخلوقين ، ولا تأكلوا فتات الطعام على موائد الظالمين ، فقد قال رب العزة سبحانه وتعالى : " وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " 22 ، 23 الذاريات . وإن كانوا هم قسموا الشعوب إلى قسمين فيجب علينا أن نعتزل قسمهم ، فلا نجالسهم ولا نؤاكلهم ولا نبيع لهم ولا نبتاع منهم ولا نشاركهم أي شيء حتى يعلموا أن كلنا يحتاج إلى كلِنا ، الغني يحتاج إلى الفقير كما يحتاج الفقير إليه والوزير يحتاج إلى الخفير كما يحتاج الخفير إليه وفي هذا يقول رسولنا الكريم " مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " أو كما قال عليه الصلاة والسلام ولا أعلم أخي القارىء الكريم طريقا أقصر من حُسن الخُلق تصل به أمتنا إلى ريادة الأمم ولنا في رسول الله الأســوة الحسنة حيث قال فيه رب العزة : " وإنك لعــلى خلق عظيم " الآية 4 القلم . فبالخلق تتقدم الدول وتسمو وترقى الشعوب ، وأنا إذ أذكر بعض من أمراض الأمة فهذا ليس من باب الشماتة فأنا منها ولا من باب الكُره لأحد فإن أهلي وأقاربي وأصحابي وجيراني هم أمتي ولكن يجب أن نضع أيدينا على المرض حتى نستطيع أن نعالجه أو نستأصله من جذوره ، فنحن فَعَلنا بالإسلام مالا يفعله شياطين الجن به في حين أن السابقين كانوا يقولون : لقد أعزنا الله بالإسلام ، وكم من كفار دخلوا الإسلام بأخلاق الرسول وصحابته الكرام المتقين والتابعين وقليل من المعاصرين . كثير من الأمم الأخرى الآن ينفرون من الإسلام بسبب سوء خلق البعض وطبعا لا ألتمس لهم العذر فهذا قمة الغباء لأن شرائع الله لا تتبدل وإنما الذي يتبدل هو سلوك الأشخاص الذي يُتبعوها هواهم ، وأهواء البشر تسيطر عليها الشياطين الذين يأبوا لنا الجنة حيث قال الله على لسان إبليس : " قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين " 82 ص والآن أصبحت كثيرا من شرائع الله معطلة وهذا واضح في صلة الرحم وحسن الجوار وميراث النساء وإتقان العمل وأداء الواجبات وكثيرا ما يسافر مواطن عشرات الكيلو مترات من أجل توقيع موظف في إحدى المصالح الحكومية ثم يهمله ويقول له جملة مشهورة عندنا في مصر : ( فوت علينا بكرة يا سيد ) !! حتى يُصاب المواطن بالإحباط ويكره الدنيا التي خُلق فيها ، وأنا قد مررت بهذه الظروف عدة مرات والآن أكرر ما قلته في مقال سابق ، لو أننا نستحق ولاةً لأمورنا وعلماء صادقين لرزقنا الله بهم ولكن كلنا مشتركون في المأساة التي نحياها ، فقد سلط الله بعضنا على بعض وهذا واضح فيما يطعموه لنا من أغذية فاسدة وملوثة تسبب أمراض السرطانات والفشل الكلوي والكبدي وهذه الأمراض لم تكن موجودة في أسلافنا ومع ذلك هم لا يأكلون مما نأكل ولا يشربون مياهنا بل لا يتنفسون هواءنا وأخيرا لم أجد حلا سوى ما أجده في قول الله عز وجل : " له مُعَقِّباتٌ من بين يديه ومِن خلفه يَحفظونهُ من أمرِ الله إنّ اللهَ لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفُسِهم وإذا أراد اللهُ بقوم سوءًا فلا مردّ لهُ وما لهم من دونه من والٍ " صدق الله العظيم الآية 11 ( الرعد )