أطفال حائرون بين الأب والأم..الظروف الإقتصادية والمخدرات والمشاكل الجنسية في قفص الاتهام 
نهاد شلبى
 08/17/2010 |  عدد القراء: 23020
أمسك الأب يد إبنه الذي لم يتجاوز بعد سنواته الخمس بحزم وسار به خطوات سريعة ثابتة...لفتات سريعة ونظرات تائهة يلقيها الطفل خلفه وهو يحاول أن يجاري خطوات والده السريعة قبل أن تستقر عينه على أعين أمه التي تقف على بعد عدة أمتار..يبتسم الطفل لأمه إبتسامة رقيقة ويرفع يده ليشير إليها قبل أن ينظر تحت قدميه خوفا ً من السقوط..وحينها تسقط دمعة حارة من عين الأم.
مشهد يتكرر كل يوم مئات المرات ومشاهد أخرى كثيرة مشابهة تشهدها يوميا ً ساحات مكاتب الأسرة بجميع أنحاء الجمهورية..مشاهد متشابهة دائما ً ما يكون البطل فيها أب وأم منفصلين والضحية دائما ً طفل يتمزق بينهما.
540 حالة طلاق و123 حالة خلع سجلتها بيانات مكاتب التسوية بمحكمة الأسرة ب المنصورة خلال الـ 6 شهور الماضية...الأسباب غالبا ً ما تتشابه ...ظروف اقتصادية طاحنة أو تدخل الأهل أو لأسباب جنسية... والنتائج أيضا ً غالبا ً ما تتشابه ...دعوى لحضانة طفل وفي أحيان أخرى دعوى تنازل عن طفل.
تقول إحدى السيدات لـ المنصورة سيتي "جئت إلى محكمة الأسرة لأقوم برفع دعوى للاستغناء عن أطفالي لزوجي السابق،لقد ترك لي أولاده دون نفقة ولا أستطيع الإنفاق عليهم" فيما تقول السيدة (ع .أ) "سبب هدم البيت هو سوء تفكير زوجي الذي أسلم عقله إلى الشيطان الذي قاده إلى إدمان الخمر فكانت النتيجة أن هدم البيت على الطفل الذي حرم من حنان أبيه فأصبحت أنا له الأم والأب في آن واحد."
وبالطبع ليست الظروف الاقتصادية هي دائما ً السبب الوحيد للانفصال بين الزوجين ولا لمعاناة الأطفال فيما بعد فمحكمة الأسرة في المنصورة تشهد العديد من الحالات التي ربما كان الأطفال فيها ضحية لأنانية الآباء والأمهات أو لاختلاف فكري أو اجتماعي بين الأبوين يكون الأطفال أول من يدفع ثمنه فمن بين الحالات التي وجدناها في سجلات محكمة الأسرة حالة انفصال بين زوجين من طبقة ميسورة بواحد من الأحياء الراقية بمدينة المنصورة حدث انفصال بينهما وانهدمت الأسرة بسبب التدخل السافر من الأهل في حياتهما وكان بين الزوجين ثلاثة أطفال لم يتعد عمر أكبرهم 12 عاماً وتزوجت الأم من آخر وانشغل الأب في عمله وأصبح الشارع وأصدقاء السوء أرضا ً خصبة للأطفال.
ويقول أحد الموظفين بالمحكمة – رفض ذكر أسمه – أن القرى المجاورة للمنصورة تزداد بها حالات الانفصال بين الزوجين مما أدى إلى التفكك الأسرى وتكون الضحية هي الأبناء والسبب في أغلب الأحيان التدخل غير العقلاني من الأهل في خصوصيات الزوجين والفضول السافر الذي أتى على البيوت المستقرة فهدم أركانها ويضيف أن مشاكل حضانة الطفل كثيرا ً ما تشكل ألما للأبوين بالإضافة إلى الأطفال وكثيرا ً أيضا ً ما تشهد تنازلات من أحد الطرفين في سبيل الحصول على حضانة الطفل مشيرا ً إلى أن إحدى الزوجات قبلت باستلام نصف منقولاتها مضحية بكل شيء في سبيل حضانة رضيعها الذي خطفه أبوه وهو في سن حضانة الأم.
ويرى راغب المرسى أخصائي قانوني بمكتب التسوية بمحكمة الأسرة ب المنصورة أن حالات الطلاق أو الخلع ترجع إلى أسباب اقتصاديه وتدخل الأهل في بعض الحالات ومن هنا ظهرت أزمة حضانة الطفل ما بين الأب والأم .
وأشار ناجى صالح أخصائي اجتماعي بمحكمة الأسرة أنه من المعروف أن أفضل مناخ لتنشئة الطفل تنشئه اجتماعية سويه هي أسرته المكونة من الأب والأم والأخوات إذا وجدوا ويكون في النهاية مواطنا صالحاً وفى حالات خاصة إذا كان أحد الوالدين غير سوى كأن يكون مضطربا ُ نفسيا ً أو مدمنا ً للمخدرات أو المسكرات ففي هذه الحالة من الأفضل ان ينشأ الطفل بعيدا ً عنه مع الطرف الآخر.
ويعتبر ناجي أن أسوأ ما يمكن أن يواجهه الطفل هو أن يعيش مشتتا ً بين حضنين، في وقت يكون كل من أبويه حاملا كثيرا من الضغائن للطرف الآخر، ولا يتورع في ترديدها على مسامع الطفل الذي لا يقبل توجيه الشتم والقذف لوالده، حتى لو كان ذلك صادرا من أمه، وكذلك العكس.
ومع ارتفاع عدد التجارب الزوجية الفاشلة، ترتفع أعداد أطفال الطلاق الذين باتوا يشكلون شريحة واسعة، سواء في قوائم أطفال الشوارع المرتمين في متاهات الانحراف، أو في مجال تشغيل الأطفال حيث ينافسون الأيتام
وهناك بين المحللين الاجتماعيين من يعتبر أطفال الطلاق أسوأ حالا من الأيتام فأطفال الطلاق يفتقدون الآباء والأمهات في وقت واحد، لأن كلا منهما ينغمس في البحث عن شريك بديل يأخذ حيزا هاما من الاهتمام وإذا كان الإنفصال بين الزوج والزوجة أمر شرعي تفرضه الظروف في بعض الأحيان وإذا كانت مشاكل وقضايا حضانة الأطفال أمر واقع يتكرر يوميا ً في المحاكم الشرعية فإن الأضرار النفسية التي تلحق بالاطفال والأضرار المجتمعية التي تصيب المجتمع كله في النهاية نتيجة للتمزق الذي يعاني منه هؤلاء الأطفال يتطلب من أطراف عدة وجهات مسئولة أن تبحث بعمق في السبب وراء ارتفاع نسب الطلاق والقوانين التي تحكم حضانة الطفل وإجراءات التقاضي فارتفاع نسبة "أولاد الطلاق" فضلا عن ظاهرة "اولاد الشوارع" كلها تمثل قنابل موقوتة إذا لم يبدأ العلاج.
|